ابن قيم الجوزية

594

مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين

وفي « الصحيحين » من حديث أبي موسى رضي اللّه عنه عن النبي صلى اللّه عليه وسلم : « مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكره : مثل الحي والميت » . ولفظ مسلم « مثل البيت الذي يذكر اللّه فيه ، والبيت الذي لا يذكر اللّه فيه : مثل الحي والميت » . فجعل بيت الذاكر بمنزلة بيت الحي . وبيت الغافل بمنزلة بيت الميت . وهو القبر . وفي اللفظ الأول : جعل الذاكر بمنزلة الحي . والغافل بمنزلة الميت . فتضمن اللفظان : أن القلب الذاكر كالحي في بيوت الأحياء ، والغافل كالميت في بيوت الأموات . ولا ريب أن أبدان الغافلين قبور لقلوبهم . وقلوبهم فيها كالأموات في القبور . كما قيل : فنسيان ذكر اللّه موت قلوبهم * وأجسامهم قبل القبور قبور وأرواحهم في وحشة من جسومهم * وليس لهم حتى النشور نشور وكما قيل : فنسيان ذكر اللّه موت قلوبهم * وأجسامهم فهي القبور الدوارس وأرواحهم في وحشة من حبيبهم * ولكنها عند الخبيث أوانس وفي أثر إلهي : يقول اللّه تعالى « إذا كان الغالب على عبدي ذكري : أحبني وأحببته » . وفي آخر : « فبي فافرحوا . وبذكري فتنعموا » . وفي آخر « ابن آدم ، ما أنصفتني . أذكرك وتنساني ؟ وأدعوك وتهرب إلى غيري ؟ وأذهب عنك البلايا ، وأنت معتكف على الخطايا ؟ يا ابن آدم ، ما تقول غدا إذا جئتني ؟ » . وفي آخر « ابن آدم ، اذكرني حين تغضب : أذكرك حين أغضب . وارض بنصرتي لك . فإن نصرتي لك خير من نصرتك لنفسك » . وفي الصحيح : في الأثر الذي يرويه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن ربه تبارك وتعالى : « من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي . ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم » . وقد ذكرنا في الذكر نحو مائة فائدة في كتابنا « الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب » وذكرنا هناك أسرار الذكر ، وعظم نفعه ، وطيب ثمرته . وذكرنا فيه : أن الذكر ثلاثة أنواع . ذكر الأسماء والصفات ومعانيها ، والثناء على اللّه بها . وتوحيد اللّه بها . وذكر الأمر والنهي ، والحلال والحرام . وذكر الآلاء والنعماء والإحسان والأيادي وأنه ثلاثة أنواع أيضا : ذكر يتواطأ عليه القلب واللسان . وهو أعلاها ، وذكر بالقلب وحده . وهو في الدرجة الثانية . وذكر باللسان المجرد . وهو في الدرجة الثالثة . قال صاحب المنازل : « قال اللّه تعالى : وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذا نَسِيتَ [ الكهف : 24 ] يعني : إذا نسيت غيره ، ونسيت نفسك في ذكرك . ثم نسيت ذكرك في ذكره . ثم نسيت في ذكر الحق إياك كل ذكر » . ليته - قدس اللّه روحه - لم يقل . فلا واللّه ما عنى اللّه هذا المعنى . ولا هو مراد الآية . ولا تفسيرها عند أحد من السلف ولا من الخلف .